الشيخ عبد الغني النابلسي

73

كتاب الوجود

الحكم على شئ إلا بعد تصوره ، اعترفوا بذلك وسلموه ، ثم إذا قلت لهم : أنتم حاكمون على اللّه تعالى بأنه رب ، وأنه قديم ، وأنه لا تصوره العقول ، كما تزعمون أنكم غير متصورين « 1 » له ، فما بالكم حكمتم عليه بأنه كذلك ؟ وهل حكمكم هذا عليه إلا بعد تصوركم له ؟ فأين صدقكم في قولكم : لا تصوره العقول ؟ وهل أنتم إلا مصورون له بعقولكم ضرورة حكمكم عليه بما حكمتم به عليه ؟ فتراهم عند ذلك يشتدون ويخاصمون ويتصيحون ، ولا يجدون لهم نصرة إلا بالصياح والخصام والجدال ، وما هم إلا حمر سارحة ، لا يعلمون ما يقولون ، ولا دليل لهم على ما يزعمون « 2 » . وقد تكلم معي بعض المعذورين بدعوى العلم ، ففرق بين قوله : لا تصوره العقول ، وقوله : لا تتصوره العقول ، فمنع الأول وأجاز الثاني ، وليس مراده من حيث صيغة العبارتين ليكون الفرق من حيث اللفظين ومعنيهما اللغوي ، بل أراد أن معنى قوله : لا تصوره العقول ، لا تجعله العقول ذا صورة ، فإن الفرق بين صيغة صوّر بالتشديد وصيغة تصور

--> ( 1 ) فسر ابن عربى الفرق بين وجود الحق ووجود الخلق أنه راجع إلى أن الإنسان لا ينظر إليهما من وجه واحد ، إنما ينظر إليهما باعتبارهما حقّا من وجه وخلقا من وجه آخر ، ولو نظر إليهما بعين واحدة ومن وجه واحد ، أو على أنهما وجهان لحقيقة واحدة ، لاستطاع أن يدرك حقيقتهما الذاتية الواحدة التي لا كثرة فيها ولا تفرقة ، كما يدل قوله في هذه الأبيات : فالحق بهذا الوجه فاعتبروا * وليس خلقا بهذا الوجه فادركوا من يدر ما قلت لم تذل بصيرته * وليس يدريه إلا من له بصر جمع وفرق فإن العين واحدة * وهي الكثرة لا تبقى ولا تذر [ التصوف الفلسفي ( 36 ) ] . ( 2 ) وحدة ابن عربى الوجودية تعنى إسقاط الاثنينية والكثرة في الوجود العيني ؛ إذ إن حضرة الجمع قد استوعبت كل شيء ، وألفت كل تفرقة بحيث تكون الأشياء من عين واحدة ، بل تكون عبارة عن هذه العين الواحدة ؛ إذ الكل من حيث الحقيقة واحد يتكرر مظاهر متعددة ، مثله في هذا كمثل الواحد من بقية الأعداد ؛ إذ يتكرر فيها على أشكال متكررة . [ التصوف الإسلامي بين الدين والفلسفة ( 181 ، 182 ) ] .